عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

168

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « وَلا تَطْرُدِ » ، وتكون الجملتان ، وجواب الأول اعتراضا بين النّهي وجوابه ، فجعلهما اعتراضا مطلقا من غير نظر إلى الضميرين ، ويعني بالجملتين « ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ » و « مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ » وبجواب الأول قوله : « فتطردهم » . قوله : « فتطردهم » فيه وجهان : أحدهما : منصوب على جواب [ النفي ] « 1 » بأحد معنيين فقط ، وهو انتفاء الطّرد لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم ؛ لأنه ينتفي المسبّب بانتفاء سببه ، ولنوضح ذلك في مثال وهو : « ما تأتينا فتحدّثنا » بنصب « فتحدّثنا » وهو يحتمل معنيين : أحدهما : انتفاء الإتيان ، وانتفاء الحديث ، كأنه قيل [ ما يكون منك إتيان ، فكيف يقع منك حديث ؟ وهذا المعنى هو المقصود بالآية الكريمة ، أي : ما يكون مؤاخذة كل واحد بحساب صاحبه ، فكيف يقع طرد ؟ والمعنى الثاني : انتفاء الحديث ، وثبوت الإتيان ] « 2 » . كأنه قيل : ما تأتينا محدّثا ، بل تأتينا غير محدّث ، وهذا المعنى لا يليق بالآية الكريمة ، والعلماء - رحمهم اللّه - وإن أطلقوا قولهم : إن منصوب على جواب النفي ، فإنّما يريدون المعنى الأول دون الثاني ، والثّاني أن يكون منصوبا على جواب النهي قوله : « فتكون » ففي نصبه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب عطفا على « فتطردهم » ، والمعنى : الإخبار بانتفاء حسابهم ، والطّرد والظلم المسبّب عن الطرد . قال الزمخشري « 3 » : ويجوز أن تكون عطفا على « فتطردهم » على وجه السبب ؛ لأن كونه ظالما مسبّب عن طردهم . والثاني من وجهي النصب : أنه منصوب على جواب النهي في قوله : « وَلا تَطْرُدِ » . ولم يذكر مكي « 4 » ، ولا الواحدي ، ولا أبو البقاء « 5 » غيره . قال أبو حيّان : « أن يكون « فتكون » جوابا للنهي في قوله : « وَلا تَطْرُدِ » كقوله : لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [ طه : 61 ] ، وتكون الجملتان وجواب الأوّل اعتراضا بين النهي وجوابه » . قال شهاب الدين « 6 » : قد تقدّم أن كونهما اعتراضا لا يتوقّف على عود الضمير في قوله : « مِنْ حِسابِهِمْ » و « عليهم » على المشركين كما هو المفهوم من قوله هاهنا ، وإن كان كلامه قبل ذلك كما حكينا عنه يشعر بذلك .

--> ( 1 ) في أ : النهي . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 28 . ( 4 ) ينظر : المشكل 1 / 297 . ( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 243 . ( 6 ) ينظر : الدر المصون 3 / 71 .